لوكريشيا
لوكريشيا
"لوكريشيا" حسناء فاتنة، أحبها الناس فى
روما،وتحدثوا عن جمالها فى مجالسهم، وذاع صيتها فى البلدان المعروفة فى ذلك الوقت،
وقيل عنها أنها أبرع نساء العالم فتنة فى عصرها .. ولكنها من ناحيتها لم تعرف الحب
ولم تدعه فى وقت من الأوقات ينساب إلى صدرها، ويحتل ركنا من قلبها!
معشوقة
ولكنها ليست عاشقة!
عاشت فى القرن السادس قبل الميلاد، وكانت روما فى ذلك
العهد خاضعة لنظام الحكم الملكى، وكان الجالس على العرش "تركان" العظيم،
سابع الملوك الذين تبوأوا عرش المدينة الخالدة، وأحد أفراد أسرة أعطت روما أكثر من
ملك وأكثر من زعيم ..
ولكن
تركان كان خاتم الملوك الرومانين، فهو آخر من حمل لقب "ملك" فى التاريخ
الرومانى، إذ أن الجمهورية جاءت بعده، ثم الإمبراطورية ..
ولوكريشيا
كانت سببا فى سقوطه وانهيار العرش الروماني!
أن الذين
وصفوا لوكريشيا، وتحدثوا عنها، ووصل وصفهم وحديثهم إلينا خلال الأجيال، أجمعوا على
أن المرأة كانت فتنة حية تسعى ولكنها من ناحية أخرى لم تحاول قط أن توقع الرجال فى
حبائلها.
تزوجت
رجلا يدعى "كولاتين" وهذا الزوج لم يعرف يحيى فى صدر الزوجة الحسناء ذلك
الشعور الذى يدفع المرأة نحو الرجل، والزوجة نحو الزوج، ويجمع بين قلبيهما، ويجعل
من جسميهما جسماً واحداً، ومن شخصيهما شخصاً واحداً. فقد ظلت لوكريشيا بعد زواجها،
كما كانت قبل زواجها، تجهل الحب ولا تذوق لذة طعمه!
ولم تحاول
البحث عنه خارج نطاق الزوجية، فعاشت مع زوجها كما تعيش امرأة مع رجل غريب، لا يجمع
بينهما غير ما يتعلق بشئون المنزل والمصلحة المادية الناتجة عن مستلزمات الحياة.
أنها متعلمة،
تميل الى توسيع معارفها بلا انقطاع، تقرأ، وتطالع، وتفكر، وكل ذلك كان بالنسبة
اليها بمثابة عزاء عما لقيته من حرمان من الناحية العاطفية.
كان الناس
ينظرون اليها بإعجاب ويتوقون إلى الاقتراب منها والتعرف إليها، ويحاول بعضهم أن
يلفت أنظارها ويسترعى اهتمامها، ولكنها كانت تهملهم، أو تتجاهلهم، أو تدفعهم عنها
بلطف والابتسامة الساحرة تطوف على شفتيها.
فاتنة
الرجال، لا تحب الرجال!
ومثيرة نيران الحب فى القلوب، لا يستهويها الحب!
هل هى قاسية الفؤاد؟ هل هى ممثلة بارعة تجيد التظاهر
بغير ما تنطوى عليها حقيقتها؟
حار الناس
فى أمرها، وظنوا فى البدء أنها تجد السعادة الكاملة فى بيت الزوجية، مع زوجها
كولاتين، وأنها تحبه إلى حد أنها لا تفكر فى غيره من الرجال ..
وكانت
المرأة فى ذلك العصر تتعمد البحث عن الحب والمتعة خارج نطاق الزوجية، وتباهى بذلك،
وتحسدها النساء الأخريات على ما تناله من حظوة عند الرجال: كان العفاف وهم من
الاوهام، بل كان فى نظر الكثيرين والكثيرات عيباً ينبغى الاقلاع عنه!
وكانت
الفضيلة هى الرذيلة، والرذيلة هى الفضيلة!
أما فيما
يتعلق بلوكريشيا فقد حار الناس، كما قلت، فى أمرها، هل هي سعيدة؟ هل هى تعسة؟ هل
تلعب دوراً فيه لؤم وتصنع، فتتظاهر بالطهر وهى فاسقة مثل غيرها من النساء؟
والناس فى
روما لا يمضغون كلامهم، ولا يقفون فى صراحتهم عند حد.
فقد جمع
أحد المجالس بين لفيف من الشبان وكولاتين زوج لوكريشيا فقدم الشبان للرجل خمرا
بكثرة وأسكروه، وألقوا عليه أسئلة فتكلم .. تكلم أكثر مما يجب!
حدثهم عن
زوجته .. وقال لهم كل ما يقال وكل ما لا يجب أن يقال .. وصفها لهم جملة وتفصيلاً،
حدثهم عن جسدها، عن ثيابها، عن عاداتها وميولها وكيف تقضى أوقاتها فى الليل وفى
النهار .. وضع النقط على الحروف .. وختم هذا الوصف العجيب بقوله أن لوكريشيا امرأة
لم تعرف الحب معه هو، زوجها، وذلك بالرغم من تفننه فى إرضائها وإثارة عواطفها واحساساتها!
وكان بين
الشبان الذين سمعوا هذا القول يصدر عن الزوج الغبى السكران، ابن الملك تركان نفسه،
واسمه "سكستوس تركان" وهو فتى يافع، يعده أبوه لتولى العرش من بعده،
ويعده الشعب أجمل فتيان روما على الإطلاق.
كان الشاب
يخرج مع لفيف من الأصدقاء، ولكنه لم يكن محبوباً بالرغم من أناقته وكرمه وجماله،
لأنه ابن الملك تركان، ولأن الملك تركان رجل ظالم، قاسى الفؤاد، سيء الخلق، يرهق
الشعب الرومانى بحكمه الجائر، ويتوق الشعب إلى خلعه، ويتحين الفرص للتخلص منه ..
ذلك هو
الملك الذى سمع ابنه سكستوس حديث الزوج كولاتين عن زوجته لوكريشيا.
وعول
الشاب على أن يجرب حظه مع الحسناء، ويذهب اليها ويطلعها على أسرار الحب، ويربط
قلبها بسلاسل الغرام.
لم يقل
شيئاً لأصدقائه، بل اعتزم تنفيذ قراره وحده، بالرغم من أن الشبان كلهم قد اتفقوا
مع كولاتين، زوج لوكريشيا، على اللقاء فى دار الرجل فى يوم من الأيام ليقدمهم
لزوجته واحدا بعد واحدا!
أسرع
سكستوس إلى بيت لوكريشيا ليسبق رفاقه، فلم يجدها فى دارها الرومانية، وقال له
الخدم أنها ذهبت إلى قصرها الريفي، على مقربة من العاصمة، حيث تعود أن تقيم بضعة
أيام من وقت إلى آخر، طلباً للراحة والعزلة.
وأطلق سكستوس جواده إلى المقر الريفي للحسناء
التي يسعى اليها.
فتحت له
جارية شابة الوحيد الذى يقيم فى القصر مع صاحبته، إذا استثنينا البواب وهو فى آن
واحد حارس الحديقة
دخل ابن
الملك على زوجة كولاتين، فإذا بها مستلقية على أريكة وثيرة، تحيط بها التحف
الثمينة، والطنافس التى لا تحصى ولا تجارى، فإن كولاتين رجل غنى، يضع ثروته كلها
تحت تصرف زوجته، وهى من ناحيتها تتصرف بها بلا حساب ..
ركع ابن
الملك وقبل يد الحسناء فدعته إلى الجلوس، وابتسمت
أنه شاب
جميل، قوى، جذاب!
هذا ما
قالته لوكريشيا فى نفسها وهذا ما قاله الشاب فى نفسه بالنسبة إليها.
وقال
الشاب أنه جاء ليقدم نفسه للمرأة الصالحة، ويطلب منها أن تعده واحداً من أصدقائها.
فوعدته
لوكريشيا، وانصرف الشاب وقد أعد فى سره خطة للمستقبل القريب.
كان الملك
تركان يقيم الحصار فى ذلك الوقت حول مدينة "أردبى" وكان أبناؤه وأفراد
أسرته كلهم يأخذون نصيبهم من ذلك العمل الحربي ..
وقرر
الشبان منهم ذات يوم أن يذهبوا إلى روما ليلاً، ويطوفوا على بيوتها، ويروا ماذا
تصنع النساء فى غيبة رجالهن، وعلى الأخص نساؤهم هم، أفراد الاسرة المالكة ..
وكان
كولاتين يمت بالنسب إلى أسرة تركان. فقال سكستوس أنه سيذهب، هو، إلى بيت لوكريشيا
ليرى ماذا تصنع.
وذهب ...
فإذا بالحسناء جالسة على الاريكة نفسها، وبيدها مغزل تتسلى به!
ووثب
سكستوس فى هذه المرة إلى الأريكة، صائحاً فى وجه الحسناء:
-
جئت يا سيدتى لاثبت لك أننى أحبك !.. جئت أطلب الوصال من
المرأة التى فتنت الرومانيين بسحرها وخلبت لبهم بجمالها!
قاومت لوكريشيا ولكن الشاب هددها بالقتل .. بل ذهب الى
أبعد من التهديد بالقتل، فقال لها أنه لن يخرج من عندها إلا بعد أن تستجيب إلى
طلبه، وإلا، فإنه ينادى أصدقاءه ويعلن على الملأ أنه وجد لوكريشيا فى قصرها بين
الرجال والكؤوس، فى الوقت الذى كان فيه الجيش – وزوجها منه- يقابل الموت فى ميدان
القتال!
وفجأة، رأى الشاب تلك المرأة الرائعة تلقى بنفسها بين
ذراعيه.
فى اليوم التالى، دعت لوكريشيا أباها، وزوجها، وأهلها، إلى
بيتها الريفي حيث عقدت منهم مجلساً فى القاعة التى قابلت فيها ابن الملك بالأمس،
وقالت لهم بلهجة فيها نبرات هادئة، وأخرى ثائرة:
-أن الاسرة المالكة لم تعد تعرف حدا لفسقها وفجورها، أو
تحسب حسابا لكرامة أو عفاف .. فقد أعتدى على أمس ابن الملك تركان، سكستوس، وهددنى
بالقتل إن مانعت .. فهل تسكتون عن الاهانة، وهل ترضى روما أن يكون المعتدون على
حرمة البيوت وأعراض الناس، هم أنفسهم أولئك الذين فرض فيهم أنهم المدافعون عن
الديار، الصائنون للأعراض؟
قالت هذا، وتناولت خنجرها الصغير الذى كانت تداعبه
أناملها تحت وسادتها، وأغمدت نصله فى صدرها.
ووثب الأب والزوج والأهل، وأخذوا الخنجر وهو يقطر دماً،
وأقسموا عليه أن ينقذوا روما من الطغيان والرذيلة ..
ونادوا بالثورة على الملك، ولبى الشعب النداء، وهرع إلى
السلاح، ودعا الملك وأبنه الجيش الرومانى ليدافع عن العرش، ووقعت بين الفريقين
معركة عرفت بمعركة "بحيرة ريجيل" هزم فيها الملك تركان، وقتل ابنه
سكستوس.
وانهارت الملكية سنة 510 قبل الميلاد، وسقط العرش
الرومانى، وقامت الجمهورية على أنقاض الحكم البائد البغيض!

تعليقات
إرسال تعليق